عماد الدين خليل

59

دراسة في السيرة

ونال منه ، ورأت قريش أن تعود - ثانية - حيث لم تجد الفتنة والاضطهاد ، إلى أسلوب المفاوضة والإغراء ، فاجتمع أشرافها من كل قبيلة : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، أبو سفيان بن حرب ، النضر بن الحارث ، أبو البختري بن هشام ، الأسود بن عبد المطلب ، زمعة بن الأسود ، الوليد بن المغيرة ، أبو جهل بن هشام ، عبد اللّه بن أبي أمية ، العاص بن وائل ، نبيه ومنبه ابنا الحجاج ، وأمية بن خلف اجتمعوا بعد غروب الشمس قريبا من الكعبة وقال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه . فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك فأتهم . فجاءهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مسرعا ، فقالوا له : يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك وإنا واللّه ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين ، وشتمت الآلهة ، وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة ، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا ، وإن كنت تريد به ملكا ملّكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيّا تراه قد غلب عليك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك . فأجابهم رسول اللّه : ما بي ما تقولون ، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ، ولكن اللّه بعثني إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه عليّ أصبر لأمر اللّه ، حتى يحكم اللّه بيني وبينكم . حينذاك طلب زعماء قريش منه أن يأتيهم بمعجزة ما ، أن يوسع عليهم وادي مكة ، أو يفجر فيه الأنهار ، أو يبعث أحد آبائهم حيا كي يخبرهم عن صدق نبوته ، أو يجعل لهم جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة ، أو يسقط السماء عليهم كسفا ، أو يسأل ربه أن يبعث معه ملكا يصدقه بما يقول « فإنك تقوم بالأسواق كما نقوم ، وتلتمس المعاش كما نلتمسه ، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا فيما تزعم . فإنا لا نؤمن لك إلا أن تفعل » . فما كان جواب الرسول صلى اللّه عليه وسلم إلا أن ظلّ يردد عليهم « ما أنا بفاعل ، وما أنا بالذي يسأل ربه هذا ، وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن اللّه بعثني بشيرا ونذيرا ، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه عليّ أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم » « 1 » .

--> ( 1 ) ابن هشام : ص 64 - 67 .